قـبـس - موقع سماحة الشيخ عبدالجليل البن سعد

» أطروحة محرم 1439 هـ  » اسرار التحنث لله عز وجل الحج "موضوعا"  » الرحلة إلى الحج رحلة الفطرة  » مهمتنا في زمن الاضطرابات  » (3) سلسلة الذكر " الذكر الجسدي"  » (2)سلسلة الذكر: " الذكر الروحي "  » (1) سلسلة الذكر " الذكر القلبي"  » القيمة والتقييم الاجتماعي في شهر رمضان  » شهر رمضان وفن التخطيط  » نظرات على اليوم العالمي للمرأه  

» هل شوال داخل في الأشهر الحرم ومحرم خارج؟؟  » الخطيب الحسيني والنضج العلمي  » هل التدين فردي؟؟  » خطأ بسيط في دعاء أبي حمزة  » كيف أثبت على التوبة  » كيف اتعامل مع إساءة الناس لي؟؟  » مشكلتي أخلاق سيئة، فاحشة، انهيار نفسي.. كيف أعود للتدين؟  » ركوب السيدة زينب عليها السلام لمحمل من ذهب  » طلب توضيح حكمة  » كلمة تشجيعية لاكمال الدراسة الجامعية  

» عمر السيدة عائشة عند زواج النبي منها  » حقائق تربوية بنفاحات فاطمية!  » ما هِي الدلائِل على ولادة الزهراء صلوات الله عليها بعد البعثة و ليست قبلها ..؟  » أين دفت الزهراء سلام الله عليها ؟؟  » زواج الخليفة عمر من أم كلثوم بنت علي عليه السلام  » كيف يكون لكم يا علماء الشيعة القدرة بان كل عالم يستطيع استخراج الصحيح ومعرفة الحكم الشرعي منه .. ولو تم اوليس يوقعكم في التعارض ..  » نبوة أدم عليه السلام..  » كيف عاشت أمة نبي الله أدم من دون شريعة؟  » الجبر والتفويض والأمر بين الأمرين.  » من اين تأخذون مصادر أحاديثكم التي تستندون عليها في استنباط الأحكام ؟  

» وقفة مع الفاظ قرانية  » الالتزام بالعدد بالذكر في الدعاء  » بعض الخصوصيات النفسية في السير والسلوك  » الحكمة المنسوبة إلى علي ع  » هل يبتلى المنتسك بالفاحشة؟؟  » معنى العجب والإدلال على الله عز وجل  » هل يجوز اطلاق كلمة(الحجة) على غير المجتهد ؟  » ما المراد بحياء الله عز وجل  » الأمر بالمعروف اخلاص لله جل شآنه  » أشكو من التثاؤب عند عمل الأعمال الصالحة ..  

» الفكر الإسلامي

الفكر الإسلامي (1)
المدخل

إن هذا الموضوع ( الفكر الإسلامي أو الثقافة الإسلامية) واسع الرحاب والأطناب وليس غرضنا أن نحصي جميع ما ينسب إليه من الموضوعات.. ولكننا نريد أن نعرف موقعية الدين من الدوائر: الثقافكرية،الحضارية،الحداثة...وما إلى ذاك.
إن طبيعة جلستنا هذه طبيعة دراسية أكثر منها محاضرة وستجدون سادتي وسياداتي الأفاضل أنها تعتمد التركيز على الملفات المعلنة وغير المعلنة لكم ..وهذا أسلوب لا تتيحه لنا المجالس الحسينية المباركة التي يتم الحفاظ فيها على تمشية خاصة ..وإن كنا لا ندري إلى أي مدى سنوفق وكل الذي أدريه هو الإستعانة بالله عز وجل ومطالبتكم بالاستعداد والحضور النفسي والعقلي.. لماذا اخترنا عنوان الفكر الإسلامي؟إن هذا العنوان هو واحد من المطالب التي كانت ( ومن قديم الأيام) تستحث رغبتي وأستنفر لها نشاطي وتفكيري وإني أراه الأكثر شفافية عن واقع الدين وأدواره الواسعة في شأننا كأمة نفكر ونعبر، حتى أننا حوربنا من أجل قوتنا في التفكير والتعبير.. بل هذا العنوان ( الفكر الإسلامي أو الثقافة الإسلامية) يحدد لنا المجالات التالية: 1   الغزو الثقافي والفكري والذي يعرف باسم الإمبريالية الثقافية وربما أطلق عليها للتغطية فقط اسم: التطبيع الثقافي وإن هذه الفكرة بتسمياتها العديدة التي سمعت جاءت بعد هدوء العاصفة في الحرب العالمية الثانية..والغزو الثقافي أو الفكري هو صنو للغزو العسكري في أهدافه السياسية وأضراره التدميرية ويقول الدكتور الفضلي: كان يتوجب على العلماء سيما في العصر الراهن أن يدرجوه في قائمة أبحاث الجهاد الفقهي الإسلامي ولكن هذا لم يحدث، وأنا أبشره وأطمئنكم أن أستاذنا السيد محسن الخرازي حفظه الله قد لبى هذه الرغبة  قبل عشرين سنة أو أوقل تقريبا فأدرج هذه المسألة ضمن بحثه عن الجهاد الدفاعي.. 2   العولمة فقد دخلت المجال الثقافي أيضا بعد أن رأوا ـ  ويؤكد هذا بعض الباحثين ـ أن الغزو الثقافكري لم يؤثر في الأمة العربية والإسلامية إلا بمقدار تنبيهها إلى خطورته!!فأرادوا أن يتنكروا لسياستهم بلباس آخر وهو العولمة الثقافية والحق أن المثقفين العرب والمسلمين قد تمكنوا من قراءة هذا الطرح قراءة صحيحة ويقظة يقول الدكتور الجابري: أنها نظام يعمل على إفراغ الهوية الجماعية من كل محتوى ويدفع للتفتيت والتشتيت ليربط الناس بعالم اللاوطن..واللاأمة..واللادولة..ويفرقهم في أتون الحرب الأهلية.المنهاج:23/314.وأما الدكتور عبد الإله بلقزيز ( من المغرب) يقول:إنها ثقافة معلبات مسلوقة جاهزة للإستهلاك...م/ن3   مجال تتجلى فيه المشكلة بين المثقف والدين وهي جدلية تشهد جدية منذ أمد غير قصير ولازالت المنابر الثقافية في العالم العربي والإسلامي بل وغير الإسلامي تتعاطاها حتى الآن.4   ومن خلال هذه الورقة البحثية نستطيع أيضا مراجعة وتصويب الكثير من المصطلحات الفاسدة التي تعلق على ألسنتنا تبعا للثقافات المفروضة علينا والمطلة من خلف الشاشات الفضائية.وهنا أجدني مضطر للتأكيد على أن هذه المصطلحات لم تكن يوما ولن تكون مجرد تعابير وألفاظ لا تحاكي فكر الإنسان وفهمه بل أؤكد على أنها خيارا فكريا وكل لفظ تتمرسه هو خيار فكري لك ولكِاللفظة.. والحركة .. العلاقة.. في حياتي وحياتك وحياتك ليست مجرد شيء قاصر على حدوده ووقته بل خيار فكري وثقافي واجتماعي يمتد ويتمدد فيؤثر أثره العام، على الشخصية والمجتمع.ومن بينها:مصطلح الثقافة نفسها فما تعريفها وماذا تعنيه؟""         الوطنية...""         العولمة...""         الحرية...""         التجديد... فهل هذا مصطلح يراد به كل جديد حدث في الوجود بعد أن لم يكن؟ كما يريد أن يقول الشيخ حيدر حب الله في نصوص معاصرة؟فأعطي  كل ما خرج على الفقهاء ونسف فكرهم صفة (جديد) لهذا التفسير البارد؟ أم أن التجديد حسب معطاه اللغوي وسيره التاريخي في الألسنيات يعني ما يجدد باليا ويدفع واقفا نحو الحركة ويموج راكدا في مياه العلم والمعرفة!يقول لي أحدهم إنك لم تفهم معنى التجديد ولذا أنت ناقم عليه؟!أجبته بأن الشيخ المظفر رحمه الله قد بين في المنطق ( من أوائل الكتب المدروسة في الحوزة) أن الألفاظ هذه التي لا تتكون إلا من بضعة حروف قادرة على إشعال نار الحروب وإلقاء المجتمعات في أتون نار لا يهدأ أوارها لما ينجر وراءها من مفاهيم ؟!!فجميع هذه الألفاظ جاءت من قبل دعاتها مموهة لا توضح ولا تفسر بشكل متفق عليه لأن المصلحة الإمبريالية تقتضي ذلك؟! ""       الإرهاب: فهل هو مصطلح مذموم أو مطلوب؟أم أنه يقبل الحالتين معا؟فإلى أي حد ينبغي أن نستفيد من هذا المصطلح؟""       بعضهم يضيف ( مشروبات روحية) ويقول هذا خطأ ومفهوم مناقض للحقيقة لأن ما ينسب إلى الروح لابد أن يكون صالحا طيبا والخمر أم الخبائث.الوجيز:23. كتاب ألف بالإشتراك بين ثلاثة.وفي ظني هذا ما لا يحتاج إلى مراجعة أو تصويب لأنه يطلق على كل ما يتصل بالروح اتصالا حسنا أو سيئا .. ومن هنا سمي السحر وفروعه بالعلوم الروحانية أو البارا سيكلوجي..فالروح غير منزهة ولذا يقول علي بن أبي طالب عليه السلام:"" إن للجسم ستة أحوال: الصحة والمرض والموت والحياة والنوم واليقظة، وكذلك للروح فحياتها علمها وموتها جهلها ومرضها شكها وصحتها يقينها ونومها غفلتها ويقظتها حفظها "".فالجهل والشك والغفلة شؤون سيئة من شؤون الروح!! 

الفكر الإسلامي(2)
مقولة الدين

إن للدين ( بكسر الدال) معاني متفرقة..
منها: الجزاء والمحاسبة كقوله تعالى{مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ}، وعلى غراره الحديث الشريف: "" الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت"" أي استعبدها وأذلها وحاسبها، وهذا ما يقال فيه:" دانه دينا" يتعدى بدون حرف.
ومنها:الطاعة كقوله سبحانه: {قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ } (29) سورة التوبة، وفيه يقال: "دان له" يتعدى بحرف.
ومنها: التوحيد لله عز وجل قال تعالى:{أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} (3) سورة الزمر، وهذا ما يتعدى بالباء يقال: " دان بالشيء "، أي أعتقده.
ومنها: الوضع الإلهي لأولي الألباب وهذا يتناول جانبين أساسيين وهما:
الأصول: التي عليها مدار الحكم بإسلام الشخص وكفره أوارتداده بتفاصيل مذكورة في مجالها.
الفروع:ويشمل التعاليم الفقهية عبادية ومعاملية وأحكام سياسية.. ويشمل الجانبين قوله تعالى:{إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ} (19) سورة آل عمران

الدين بين المسلمين وغيرهم:
إن الدين مصطلح يشمل جميع أهل الملل فيطلق على الأديان التوحيدية الثلاثة التي هي من الوضع الإلهي، ويستعمل أيضا في الأديان الوثنية والشركية المنحولة من قبل عقول بشرية..
بل تشترك الأديان التوحيدية في أصول كلية كثيرة وهي:
1   الإيمان بالله تعالى واحدا أحدا فردا صمدا.
2   الإيمان بالآخرة والحياة الحقيقية الأبدية.
3      ""   بالحساب والجزاء.
4      ""   بالأنبياء والكتب .
هذا والمقصود هو الديانات الأصلية أي ما قبل مرحلة التحريف والشطب المتعمد، وإلا فنحن نعلم أن التوراة مثلا لم تذكر أمر القيامة؟!
في الوقت الذي أطنبت وذكرت بالشرح الطويل المزعج في أن لوطا زنا بابنبته، وأن أحدهم فعل كذا مع " دينة" أبنة يعقوب وغير ذلك من الأمور الفارغة ..
  فليس الفرق من هذه الحيثية، إنما نقرأ الفرق من جهة أخرى وهي:
علاقة هذه الأديان بالفكر والثقافة فإنها علاقة متفاوتة فإننا لا نستطيع أن نقول فكر مسيحي ولا ثقافة مسيحية لأن الرسالة المسيحية ليست عامة وشاملة .. ولكننا نقول وبكل طمئنينة: فكر وثقافة إسلامية، لأن ديننا ذا منظومة كاملة وشاملة..
وجلوسنا فقط لنبرهن في سلسلة من المحاضرات على المطابقة التامة بين الإسلام والثقافة والفكر وأن ما ليس صحيحا في الميزان الشرعي ليس صحيحا ثقافيا وفكريا،  وما يرفضه هذا يرفضه ذاك وعليه نعرف مقدار التساهل في تصنيف الناس حينما يقال من رتابة حياة الإسلاميين ونهجهم كذا ومن رتابة حياة المثقفين ونهجهم كذا،  لأن الخطأ لا يوصف  بالإسلامي ولا بالثقافي!!
يحضرني مثال جريء نوعا ما..
في الوقت الراهن يوجد تقابل ذهني بين الإسلامي والمثقف فالمثقف يرفض مشروع التعدد في الزيجات ويتصور أنه في رفضه هذا مدفوع بذهنية ثقافية!!
والإسلامي يرفض ما يطرحه المثقفون من خطبة المرء لابنته أو خطبة البنت على نفسها كما تطرح ذلك فايزة رفسنجاني!!
طبعا حتى لو لم يكن لها ولي؟!
ولكن حينما نتعامل مع المسألة بروح مجردة سنجد أن الإسلام والثقافة منظومتين إحداهما سماوية غرضها تمييز الصحيح من الخطأ في الحياة الراتبة والثقافة أيضا تنطوي على نفس الغرض ولكن بنشدان وبحث وعقلنة لأنها لا تستمد من مصدر سماوي ـ هذا حسب النظرة العامة للثقافة ــ  فكلهما أي الإسلامي والمثقف يسيران في اتجاه واحد هنا نستطيع أن نقطع:
بأن المثقف لو اطلع على النسبة المخيفة للأرامل أولا، والمطلقات ثانيا،واليتيمات المنقطعات عن كل سبب من أسباب التأمين الاجتماعي ثالثا، و وجود نساء ذوات أعمال أو ذوات أطفال من رجل سابق فليست لها القابلية على زوج يطلبها في الليل والنهار.. ولكن تريد أن تكون يوما لأولادها ويوما لزوجها.. لأملت عليه ثقافته الإقرار بهذا المشروع..
وفي المقابل: لو درى المتدين والإسلامي بوجود فتيات تائقات إلى الأزواج حدا قد يؤزهن الشيطان أزا فيكون في ذلك فساد المجتمع ،  لعرف أن إسلامه  هو الذي يصحح سلوك الأب حينما يخطب على ابنته ويراه طلبا للسعادة لنفسه قبل أن يكون طلبا للزوج على ابنته فالحديث الشريف يقول:"" من سعادة المرء أن لا تطمث أبنته إلا في بيت زوجها"" كذا سلوك البنت حينما تخطب لنفسها ( طبعا) إذا لم يكن لها ولي   ، وهنا مثالان في القرآن الكريم:
الأنصارية التي جاءت للنبي صلى الله عليه واله وسلم، فدخلت عليه وهو في منزل حفصة والمرأة متلبسة ممشطة فدخلت على رسول الله فقالت يارسول الله إن المرأة لا تخطب الزوج وأنا امرأة أيم لا زوج لي منذ دهر ولا لي ولد فهل لك من حاجة؟
فإن تك فقد وهبت نفسي لك إن قبلتني.
فقال لها رسول الله صلى الله عليه واله خيرا ودعا لها ثم قال يا أخت الأنصار جزاكم الله عن رسول الله خيرا فقد نصرني رجالكم ورغبت فيّ نسائكم، فقالت لها حفصة ما أقل حياءك واجرأك وأنهمك للرجال فقال رسول الله صلى الله عليه اله وسلم كفي عنها ياحفصة فإنها خير منك رغبت في رسول الله فملتيها وعبتيها، ثم قال لها انصرفي رحمك الله فقد أوجب الله لك الجنة لرغبتك فيّ وتعريضك بمحبتي وسروري وسيأتيك أمري إن شاء الله  وذكرها القرآن الكريم: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} (50) سورة الأحزاب
ونظير لها قصة الصحابية ( بركة) التي جاءت إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم  وقالت إني بلغت مبلغ النساء فزوجني....
وابنة شعيب يقول تعالى:{فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} (25) سورة القصص.
لأن مجيئها حيية يكشف عن أنها تعلم بمراد أبيها..


الفكر الإسلامي(3)
فطرية الدين
فطرية الدين:

يقول تعالى في كتابه الكريم:{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}(30) سورة الروم.

والفطرة هي شعور توحيدي لله عز وجل، وفطرة الله تعني أنه سبحانه قد أودع في كيان الإنسان غريزة معرفته والتوجه إليه، فليس النزوع نحو الكمال المادي هو المثال الفريد في شعور الإنسان بل هو مفطور على تتميم نواقصه ورفع حوائجه في العام والخاص من شؤون حياته..

ومن هنا قيل: إن التجربة الدينية تجربة إنسانية عالمية فلم يوجد شعب يخلو تراثه من الأدب الديني والاعتقاد الديني والعاطفة الدينية، حتى أن البعض يقول بغريزة دينية ثم يبررها:بأنه كلما ارتقى الإنسان وجدانيا كلما كانت له إشراقات أو فيوضات صوفية كونية قد تعبر عن نفسها بطرق مختلفة هذا يعبد الله هذا يعبد خشبا أو حجرا[1]...  وعلى الخلاف من الحملات الفلسفية المنحرفة التي أرادت أن تكبت هاتف الوجدان بالدين إلا أنها تاهت وبهتت من النتائج التي فاقت توقعاتها فلا زال الإنسان يجد الحاجة إلى الدين..ففي المنتصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي خرج كارل مركس بمقولته: الدين أفيون الشعوب.. ولكن هانحن نرى فلسفته هي الأقصر عمرا من بين الفلسفات الشرقية والغربية، وقد أودعت في مزبلة التأريخ وإن كانت هي في عداد ردود الفعل على الكنيسة المسيحية ولكن كان ينبغي أن يبتعد عن العمومية الصارمة[2]. الفطرة قد لا تهدي!!

وهنا سؤال قديم جديد وجديد قديم:

لما لا تسطع هذه الفطرة أن تجنب الكثيرة من الأمم الوثنية هاوية الكفر والشرك بالله عز وجل، أو لما كل هذا الاختلاف في الدين بين الأمم إذا كانت الفطرة واحدة؟؟ولما لا تهتف بصوت مسموع في أذن الظالم الذي يريد أن يقفز على العدالة ويسوم الناس العذاب ويمعن في ظلمهم؟؟تجنيبا للبحث عن التوسع نكتفي بمراجعة سببين فقط:

1   يقول العلامة الطباطبائي (قدس) إن الفطرة لا توجب الاختلاف في الدين بل السبب هو كتمان الذين أتوه قال تعالى:{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} (213) سورة البقرة.

2    نزعة الاستخدام وطبيعة الاستخدام عند الانسان فإنه يعاني من غريزة أخرى وهي استخدام الحيوان والنبات والجماد بل والإنسان المماثل له أيضا، وأضيف أنا هنا  الدين فينصب الدين فخا للرئاسة يقول الإمام علي بن الحسين عليه السلام:""... لا يبالي ما فات من دينه إذا سلمت له رئاسته التي شقي من أجلها فأولئك الذين غضب الله تعالى عليهم ولعنهم وأعد لهم عذابا مهينا "".

 وعلى أي من الأحوال فمما يعزز أن الدين غريزة ونزعة روحية أنك تجد الكل يدافع عن دينه ولا يرى إمكانية أن يتنازل عن الدفاع عنه: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ }(113) سورة البقرة، أي إن تكونوا هودا فأنتم المهتدون وإن تكونوا نصارى فأنتم المهتدون.والقول قول الله عز وجل:{ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (135) سورة البقرة.

  بل تجده غير قادر على التخلص من مراسمه الدينية التي يدين بها مهما كانت فضاعتها ومهما كان قدره في الثقافة والعلم.. تذكر بعض الصحف أن المفكر الهندي رئيس وزراء الهند في وقته( جواهر لال نهرو ) وهو رجل كان حائزا على شهادات عالية ذكروا أنه يتناول قطرات من بول البقر ليرشها على الطعام في المناسبات الدينية ولما سأل عن فعله من قبل أحد الصحفيين أجابه:إنها طقوس دينية وليس في الإمكان التخلي عنها؟![3] 

 
[1] الموسوعة النفسية: عبد المنعم الحفني. 83، بتصرف وإضافة.
[2]  طبعا هذه المقولة ارتبطت بجانبين الأول العقل والعمل وشأنهما في الحياة ونحن قلنا أنها تصلح ردا على الكنيسة وأن الأصح أن يقال : ( الدين في أوربا أفيون الشعوب)!!لأنها عطلت العقول وخاضت صراعا وصداما بين العلم والدين فجابهتهم وحرقت بعضهم، وأما ديننا فيقدس العقل، "" المؤمن كيس فطن"" والكيس هو ذو العقل والفطن الذكي النبيه.. ويكرم العلم والعلماء ويبعث على الاستفادة من كل موارد الحياة :"" من بات كالا من عمل يده بات مغفورا له""..وأما الجانب الثاني وهو القضاء والقدر فسنوضحه عندما نقف على هذا العنوان  في محاضرة منفصلة إن شاء الله تعالى.
[3] فلسفة الفكر الإسلامي.



الفكر الإسلامي(4)
هذه هي الحلقة الرابعة من سلسلة الندوة الفكريةوالثقافية:(الفكر الاسلامي منابعه مضامينه واشكالياته) تدور حول: معرفة الله عز وجل..

   معرفة الله عز وجل : غاياته وإراداته في القرآن

قال أمير المؤمنين وسيد الموحدين علي بن أبي طالب عليه السلام:"" أول الدين معرفته..."".في أول الأمر نستلفت الأنظار إلى أن هذه المسألة واحدة من العروق النابضة والممتدة لفكرة( العلم والدين)،  ولا بد أن نعرف أنه يتسع البحث عنه سبحانه وتعالى إلى المقارنة بين الأساس الديني لفكرة الله تبارك وتعالى والنظريات المادية كالمادية الميكانيكية  والمادية الديالكتيكية ، والنظرية الداروينية، أرجو ألا تثقل عليكم هذه المصطلحات الفلسفية فأنا لن أبحث معكم حقيقة الخالق سبحانه  من زاوية التحول الفلسفي، ولن أدخل بكم في أتون المعارك الفلسفية.. ولي ما يبرر ذلك.فإن الوقت لا يسمح هذا كالمعتاد..

وإن فكرة الله على مستوى النظرية ليست من خاصيات الفكر الديني الإسلامي ونحن نريد أن نحاصر ميزات الفكر الإسلامي في ندوتنا هذه التي أرجو أن تبقى طويلا وتثمر كثيرا..سنقصر النظر على البحث في غايات الله جل وعلا وإرادته في الكون والخلق فهذه الورقة يمكن أن نقرأ فيها الكثير من الأفكار الخاصة بالدين الإسلامي وهي بحاجة إلى دفاع واتساع في الطرح..إذن فـ( غايات الله وإراداته في الكون والخلق) هو عنواننا هذه المرة.. ولن نشت إن شاء الله تعالى..مشتملات الموضوع هي:

1   الحسن والقبح وهل يفعل الله عز وجل بخلقه القبيح ويدع فيهم الحسن الذي يصلحهم؟

2   هل يأتي بالأمور اللاغية ويفعل ما لا فائدة منه؟

3   أيريد من الخلق الطاعة ويرفض المعصية أم العكس؟ ويتصل بهذا الحديث عن مبدأ الهداية والضلال...قد لا نوفق للاسترسال في كل هذه التحديدات والعنوانات في هذه الحلقة ولكن كلي أمل أن لا يمتد البحث أزيد من ليلتين على التعاقب..

 الحسن والقبح:

لقد أتجه بعض المسلمين إلى القول بأن الله عز وجل يمكنه أن يفعل القبيح وهم الأشاعرة فقل أن لله سبحانه أن يدخل أنبياءه النار وأن يجعل أعدائهم في الجنة؟! ولكن تصد لهم الإمامية والمعتزلة ولم يألوا جهدا في الكشف عن أن هذا القول من أكداس الخرافات والتفاهات..لما ننفتح على هذا الموضوع؟لأن بعض المتعلمنين ( كالدكتور صادق جلال العظم) وهم يسيرون بحماسهم التشكيكي التقطوا كلام الأشاعرة وجعلوه الأصل في عقيدة المسلمين جميعا، والغرض هو: أن يكشفوا حسب زعمهم عن تناقض الدين الإسلامي ففي الوقت الذي يكون الله عز وجل هو الخالق لأفعال العباد ومنهم إبليس فإن الله يأثمه ويجعله مستحقا للعنات غير المنقطعة، ولذا يقول في كتابه الفكر الديني: "" إن الله أمر إبليس بالسجود لآدم ولكنه شاء له أن يعصي الأمر، وإن إبليس كان مسيرا في جميع خطواته""؟!فهذا ما اقتبسه من الأشاعرة الذين قالوا بأن أفعال العباد مخلوقة لله وقالوا بالجبر الذي لا حول للإنسان ولا طول معه وإنما هو كالظرف الذي يملئ فيه وسنتحدث عن مبدأ الجبر والإختيار في أفعال العباد وهل هم مسيرون أم مخيرون بتفصيل شافي عندما نقف مع العنصر الثالث إن شاء الله تعالى.ولا يفوتنا أن نذكّر بمنشئ قضية الجبر سياسي وفكري فمن جهة المنشئ الأول أريد به تصحيح تصرفات الحكام الطغاة الخارجين على تعاليم الدين في العهد الأموي وخلق الأعذار غير الاختيارية تبريرا لأعمالهم المنافية لأحكام الإسلام ، وهذا أشبه بالمبدأ الميكافلي: الغاية تبرر الوسيلة التي أتخذ لدى بعض الساسة من الشرق غربيين.. ومن جهة المنشئ الثاني فكانوا قد أستوحشوا من المد العقلي حيث أقبل المسلمون أنذاك على اتخاذ العقل قاعدة في جميع العلوم والفنون حتى الأدبية والفقهية منها!! لمعالجة هذا الموضوع توجهات علمية لا أريد أن أتسور جدارها في هذه الجِلسة سأذكر دليلا ميسرا جدا وأدع بقية الأدلة إلى جولة الأسئلة والتعقيبات فإن استدعى شيء من الأسئلة إضافة ما تجدونني حاضرا بإذن الله تعالى.لما تورطوا في هذه المقولة السخيفة جدوا في أن يؤسسوها على أساسين:

1    لا يوجد حسن أو قبيح عقلي بل الحسن هو ما جاء به الشارع ولو كان تعذيب المؤمنين والتنكيل بهم والقبيح هو ما رفضه الشارع ولو كان تنعيم الكفار وتنزيلهم المنازل الرفيعة..

2    وأن القرآن شاهد على ذلك ؟! وقفة مع الأساس العقلي:هل تكف الدولة التي يكثر فيها المذهب الأشعري عن مطاردة المجرم وملاحقته  وطلب إجراء العدالة عليه!طبعا:لا..إن الناس جميعا يمدحون الإحسان والصدق النافع ويستقبحون الظلم والكذب الضار فهل تجرد الأشاعرة عن مدح المحسن وذم المسيء؟!طبعا:لا..يقول العلامة الحلي قد سره:"" ...حتى الملاحدة  حكموا بذلك"".. وأيضا أنتم مسلمون حسب في الظاهر فنسألكم كيف تصدقون بالدين؟من طريق الأنبياء!ماهو طريقكم لتصديق الأنبياء؟معجزاتهم الباهرة !نقول من الممكن أن يظهر الله معجزة على يد كذاب مخادع ولا يكون ذلك قبيحا!! 

وقفة مع الأساس القرآني:

وهذا هو الطريق الذي نرد من خلاله في العنصر الثالث..جاؤا بآيات في معرض الاستدلال على مقولتهم منها:{خالق كل شيء} بزعم أنها صريح في كون افعال العباد كلها له سبحانه..سيما وأن كلمة خالق تختص به.وقوله تعالى:{والله خلقكم وما تعملون} فصرحت بأن ما يعمله الناس إنما هو من خلق الله تعالى ففعل إبليس أيضا من الله سبحانه راجع إلى نص العظم في صفحة:(10 ).ولكن الآية الأولى في صدد الرد على اولئك القائلين بتعدد الخالق وأن هناك خالق للأرض وخالق للأفلاك وخالق للناس فكأن الرد أن الله خالق هذه الأشياء التي تذكرونها..وكلمة خالق لا تختص به فهو يقول جل وعلا:{إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير..} ويقول:{وتخلقون إفكا}!وأما الآية الثانية فمردودة أوضح رد لأنها تتمة لما قبلها وهي قوله  تعالى:{ أتعبدون ما تنحتون} فكان جواب الاستفهام والله خلقكم وما تعملون فالمقصود تلك الأصنام المنحوتة من الصخور أو من التمور!!النصوص الدالة على الإختيار:{كل امرئ بما كسب رهين} وقوله عز وجل:{فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} وكذا خطابه سبحانه:{ إني لا أضيع عمل عامل منكم}.

 وأما إبليس فأود أن أفرد له حديثا بعد بيان العناصر الثلاثة على وجه التمام لكي نقيس الآيات النازلة فيه بالمقاييس الثلاثة في بيان واحد.    



الفكر الإسلامي(5)
الهداية والضلال من غاياته سبحانه
مهدنا في المحاضرة السابقة الحديث عن غايات الله وإراداته في خلقه وهي إرادة منشعبة تم الحديث على شعبة منها بشكل ميسر ونثني بالحديث عن الشعبة الثانية وهي الهداية الضلال إذ قد حاولت بعض الجهات تأسيس بعض الأفكار المغلوطة على الفهم الخاطئ للهداية والضلال...

 

في القرآن الكريم والسنة الشريفة ومنها مسأل الجبر التي فصلنا جانبا منها..ونقدم أمام الطرح تعريفا ووصفا دقيقا للهداية:

أما قاموسيا:

فهي الدلالة على طرق الرشد..وتستعمل عند العرب بمعنى التوفيق يقول الشاعر:لا تحرمني هداك الله مسألتي                ولا أكونن كمن أودى به السفريعني: وفقك الله لقضاء حاجتي.

وأما علميا فهي:

كما يقول السيد اسماعيل الخواجوئي قد سره الهداية هي: الدلالة على ما من شأنه الإيصال إلى البغية من غير أن يشترط في مدلولها الوصول..[1] أي قد يأخذ بما من شأنه الإيصال فيصل وقد لا يؤخذ..وهذا التفسير ينطبق على كل عملية هداية .. وأما إذا كانت من الله عز وجل الذي أخذ على نفسه أن يسير في خلقه بغاية واحدة وهي غاية الأسباب وسنة الأسباب فيكون معناها:إيجاد سبب ينكشف به المطلوب ويتحقق به وصول العبد إلى غايته في سيره  وهكذا جعلت اسما للانكشاف سواء طريق الخير أو الشر ولذا قال تعالى: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}10 سورة البلد، ويقول عز اسمه:{إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} (3) سورة الإنسان.والشكر هنا بمعنى الإخلاص في النعمة كما أن الكفر كذلك ..وكذا قوله تعالى شأنه:{وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } (17) سورة فصلت، أي كشفنا لهم الطريق ولكنهم تنكبوا له؟!وأيضا يدل على أنها بمعنى الاراءة للأسباب قوله تعالى: {إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى} 12 سورة الليل..

طبعا قد تقسم الهداية إلى:- الإراءة، الإيصال وهذا للفرق بين هداية النبي وهداية الإمام فالأول رابطة بين الله والناس في الفيوضات الظاهرية تشريع وتعليم وإرشاد، والثاني رابطة بين الله والناس في الفيوضات الباطنية وقد يجتمعان كما في النبي الأمي صلى الله عليه واله وسلم [2] 

 الهداية وما تضاف إليه:

تختلف باختلاف ما تضاف إليه فتضاف إلى السبيل تقول الجهاد في سبيل الله لأجل سلامة السبيل ودفع العوائق عنه..وتقول الجهاد في الله قال سبحانه:{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} (69) سورة العنكبوت، هنا نلاحظ أن الجهاد لما أضيف إلى الله عز وجل صار سببا للهداية وذلك لأنه لايريد إلا وجه الله عز وجل فيمده الله سبحانه بالهداية.. 

الهداية عامة وخاصة:والعامة قد تكون تكوينية وقد تكون تشريعية

 أ ) العامة التكوينية هي التي أعدها الله تعالى في طبيعة كل موجود سواء كان جمادا أم كان نباتا يهتدي إلى غره أو حيوانا فكل موجود يسير نحو الكمال وأبرز مثال عليه المدركات الوجدانية أنظر إلى مستعمرات النمل مثلا...ويهتدي الطفل إلى محالب أمه والنحل إلى تشكيل حياة مدنية فاضلة وهذا ما يجمعه قوله تعالى:{ الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} (50) سورة طـه.وفي هذه الآية إشارة لطيفة ففرعون سأله عن جنس ربه قال فمن ربكما يا موسى ولكنه أجابه بأفعاله في إشارة لطيفة إلى أن الله سبحانه لا يوصف ولا جنس له بل خالق الأجناس ...وكلمة شيء تعم المخلوقات جميعا..

ب ) العامة التشريعية وتسمى تكليفية أيضا: فهي هداية جميع البشر بإرسال الرسل إليهم وإنزال الكتب عليهم  ومنها إفاضة العقل على الإنسان لإتمام الحجة عليه..والخاصة هي: هداية تكوينية ولا تكون تشريعية بل هي عناية ربانية يخص بها بعض عباده ولعله المقصود بالرحمة ضمن قوله تعالى:{فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا} (65) سورة الكهف.. والخلاصة المستخلصة:أن الهداية التشريعية تتعلق بالتشريع والاعتقادات والعمل الصالح وهي التي تنقسم إلى الاراءة والدلالة على الطريق وإن جل ما ذكرنا من الآيات حتى الآن هي شاهد على هذا القسم وما تكون بمعنى الإيصال إلى المطلوب ومنها قوله تعالى:{فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} (125) سورة الأنعام.ومعنى ذلك كما يقول السيد الطبأطبائي أعلى الله مقامه أنها انبساط خاص في القلب يعي به القول الحق والعمل الصالحويدخل في الموضوع أيضا العصمة الاكتسابية أيضا كما أنني أجد هنا فرصة بديعة لبيان معنى حديث كثرت روايته على ألسننا وهو قول الصادق عليه السلام لعنوان البصري: "" ... ليس العلم بالتعلم إنما هو نور يقع في قلب من يريد الله تبارك وتعالى أن يهديه، فإن أردت العلم فاطلب أولا في نفسك حقيقة العبودية[3] واطلب العلم باستعماله واستفهم الله يفهمك ""

تقول السيدة آمنة الأصفهانية قدس نفسها الزكية: المراد من العلم هنا غير العلم الرسمي الذي يحصل في المدارس لأنه اصطلاح خاص بالناس...بل العلة التامة للعلم هي العبودية كما قال عليه السلام ثم تذكر منبها وجدانيا مكشوفا على ذلك تقول كيف لا وترى كثيرا من طلاب العلوم الرسمية لهم يد طولاء في المحاورات والمجادلات وليس لهم نور يهتدون به في ظلمات الشبهات ورفع الأوهام وليس لهم استقامة على الطريق المستقيم..[4] 

وأضيف مكملا هنا أن الإمام عليه السلام أقتبس التعبير بالنور من القرآن الكريم يقول تعالى:{أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} (22) سورة الزمر.فالوصف بالنور لأنه ينجلي به للقلب ما يجب عليه أن يعيه من التسليم لحق القول وصدق العمل عما يجب عليه ولا يلتبس عليه بما يجب عليه أن يعيه و لايقبله من باطل القول وفاسد العمل.. إشكالات وحلول:ولكن كيف استأنس البعض من هذه الآيات معنى الجبر ؟وكيف جاء من يريد التلبيس والغمغمة لكي يعتبر القرآن كتاب متناقض فهو يحكم بأن الهدى والضلال من عند الله عز وجل ثم يعاقب ويجازي عليهما؟هنا آيات خاضوا فيها بقدم غير ثابتة ومنها قوله تعالى: { فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء} (4) سورة إبراهيم، وقوله عز وجل :{وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} (33) سورة غافر.فإذا كانت الهداية واللإضلال من الله تعالى فلماذا يعاقب الضالين على ضلالهم ويثبت المؤمنين على هداهم وكلاهما من فعله وبإشاءته؟ولدحض هذه الشبهة نتبع مرحلتين:

الأولى: أن القرآن الكريم صريح في أن الضلال لا يتحقق إلا بفعل الإنسان ومحض اختياره:{ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ} (108) سورة يونس.{قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي} (50) سورة سبأ

الثانية: أن الإضلال بمعنى الإشارة إلى خلاف الحق والدعوة إلى الضلال والحمل عليه إطلاق لا ينحصر فيه معنى الإضلال فكيف أولتم به الآيات ؟بل وبعد نظرة فاحصة نجد أن له معنى أخر وهو: الهلاك ومنه قوله تعالى: {وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِلِقَاء رَبِّهِمْ كَافِرُونَ} (10) سورة السجدة، أي هلكنا.. 

وأول ثمرة لهذا التوضيح في معنى الضلال والإضلال أن نعطف على قوله تعالى: {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} (16) سورة الأعراف.ونقول هذه الآية التي استغلت أبشع استغلال في بيان أن إبليس الرجيم في فعله إنما هو مخلص لله !!!!نقول أن الإغواء لا يزيد على معنى الإضلال والغواية ضلال ..ولكن هل بمعنى الإشارة والدلالة إلى خلاف الرشد ؟ التي هي ضد الهداية بمعنى الإشارة إلى الرشد؟أم هي بمعنى الهلاك التي هي ضد الهداية بمعنى الإثابة مثلا؟لا شك في إرادة التأويل الثاني ومنه قوله تعالى: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا } (59) سورة مريم.

 
[1] شرح مفتاح الفلاح: 785.
[2] وتأتي بمعنى الثواب أيضا: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} (9) سورة يونس.
[3] وهي كما في تمام الحديث أن لا يرى العبد لنفسه فيما خوله الله ملكا، يرون المال مال الله يضعونه حيث أمرهم الله ولا يدبر العبد لنفسه تدبيرا  وجملة اشتغاله فيما أمره تعالى به ونهاه عنه....
[4] وقد قسم الشيخ البهائي الهداية إلى أربعة أنحاء ترجع في بعضها إلى التكوينية وفي بعضها الآخر إلى التشريعية راجع شرح مفتاح الفلاح: 786- 787.

الفكر الإسلامي(6)
العلم والدين

هذه قضية واحدة من أهم القضايا التي ملئت الفضاء الفكري العالمي والإسلامي وإن فكرة التعارض بين العلم والدين وتناقضهما ولدت من رحم الصراع المديد بين الكنيسة الكاثوليكية ورواد العلم في أوروبا حينما خرج عالم الفلك والفيزياء الإيطالي "غاليليو"

 ومن سبقه وقالوا بأن الشمس مركز الكون وبقية الكواكب تدور حولها الشيء الذي أثار حفيظة الكنيسة التي نصبت نفسها محامية عن تراث أرسطو حيث كان يرى أن الكون ثابت والأرض تشكل مركز الكون وتدور حولها الشمس والكواكب..فصدق من قال أن فكرة التناقض كانت سمة العلاقة الظاهرة بين بعض الديانات الأخرى ومعطيات العلم ...

ولكن قد تحمس لها في الآونة الأخيرة العديد من ذوي الأقلام العربية والفارسية، وتمادى بعضهم كمحمد أركون وغيره فقالوا بأن الإسلام مجموعة أساطير بالية سومرية آشورية فرعونية وطقوس جاهلية كالاعتقاد بالجن وتقديس الحجر الأسود وعذاب القبر  فتطلبت جهدا ومقاومة من علماء الكلام وفلاسفة الإسلام حتى أجبروها على التراجع مسافات طويلة لتبقى بعيدا عن أفكار أبناء المسلمين..

 أطراف الحديث هذه الليلة ثلاثة:

الطرف الأول:

في دواعي انتقال هذه الشبهة إلينا.من أولى تلك الدواعي حالة الإفراط في الدعوة إلى الدين والاستغناء به عن العلم بشكل مطلق، ونفس الدور حينما يقوم به بعض أتباع الدعوة إلى العلم والتخلص من الدين وهذا ما أطلق عليه:انحصارية الدين .. وانحصارية العلم، ونضرب لها مثالا بسيطا هنا  حينما يوصي الأطباء لأجل الحفاظ على البصر وتقويته بنوع خاص من الفيتامينات وفي المقابل قد يوصي بعض المتزمتين في الدين ببعض الأدعية والآيات التي تقرأ لمعالجة المشاكل البصرية من ناحية صحية كما يوصي برفض العلاج العلميففي الحقيقة ليس هنا تعارض ولا تنافي سوى النظرة الإنحصارية عند مدعي العلم ومدعي الدين؟!!

وعلى أي من الأحوال فهذه مشكلة تفاعل فيها الطرفان وهناك مشاكل خاصة بالدعاة إلى العلم ونبذ الدين كما أن هناك مشاكل خاصة بالدعاة إلى الدين ونبذ العلم نطرح لكل فريق مثال: القرآن ناطق أم صامت أم موردي؟من المسلمين من يقول إن القرآن الكريم ناطق.. ومنهم من يقول أنه صامت فأما النظرية الأولى فتعتمد على أساسين كالتالي:

أ ) أن القرآن مرآة لحقائق الوجود كافة..

ب) أن دلالات القرآن الكريم واضحة مع الاحتفاظ على مسألة وجود بطون عميقة للقرآن ومما يشير إلى ناطقيته الآية الكريمة:{ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} (59) سورة الأنعام وأما النظرية الثانية فحقيقتها أن القرآن صامت ولا يتحدث بشكل ثابت وصريح عن حقائق الوجود وإذا تحدث فهو يحتاج إلى استنطاق فليس من السهل تبادر معانيه إلى الأذهان..فعن هذه النظرية وتلك نشأ القول وساد الظن بأن العلم يعارض الدين الإسلامي..

ونحن في وسعنا أن نشطب على النظريتين ونستبدلهما بنظرية ثالثة ترفع غائلة التنافي والتناقض بين طرفي الدين والعلم ولنبدأ بالمناقشة التي هي مقتصرة ومجزولة بطبيعة الحال: 

فيما يرجع إلى النظرية الأولى:

لدينا آيات كثيرة تنهى عن التحول إلى القرآن الكريم والسير في طرقاته من دون مصباح ولا سراج من أقوال مصابيح الهدى عليهم السلام فلا يكون إلى بقيم كما في رواية منصور بن حازم..ولا أتم صراحة من قوله تعالى: {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ} (7) سورة آل عمرانوقوله عز من قائل: {لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} (79) سورة الواقعةوأما الآية التي تأيدوا بها في التأكيد على نظريتهم فهي تدل على أن الكتاب المبين مرتبة من علم الله عز وجل وهذا لا يقتضي أن تكون ظاهرة لكل ذي عينين، فهي تتحدث عن مفاتح الغيب وحصر علمها عند الله عز وجل : {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} (59) سورة الأنعام !!

و فيما يرجع إلى النظرية الثانية:

فهذه توجب الفصل بين الدين والمعرفة الدينية لأن الاختلاف حاصل في المعرفة ويؤل هذا الاختلاف إلى الشخص الذي يحاول أن يستنطق الكتاب والذهن الذي يتعامل مع اللغة التي ينطقه بها .. وفي النهاية سيبقى الدين ثابت وغير قابل للإختلاف إنما ينشأ الاختلاف في الأذهان التي تدور حول الكتاب الكريم مثلا.. 

والنظرية الثالثة:

ولعلها الصحيحة تقول أن القرآن يتحدث عن المسائل العلمية والأخرى التاريخية والقصص ولكن بشكل موردي لأنه وبالمقام الأول كتاب هداية {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} (2) سورة البقرة، {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} (9) سورة الإسراءوليس متمحضا في عرض المسائل العلمية وإن كانت كثيرة في سعة وعمق الكتاب المبارك إذن فالقرآن أشبه بخطيب يتحدث حول مسائل محددة وقد يذكر بعض الشواهد والحقائق الوجودية والمسائل التأريخية لا على سبيل الغرض بل على سبيل المثال وما يتناسب وأغراضه إن العلامة الطبأطبائي مثلا حاول أن يذكر لكل سورة غرضا تختص به وتهدف إليه ولا نجد شيئا من تلك الأغراض التي حاصرها رضوان الله عليه يمكن أن يكون غرضا عليما..ومن المؤكد ( هذا في الخلاصة طبعا):أن الفكرتين الأولى والثانية والمتقاطعتين تقاطعا كليا يزيدان من مشكلة التضارب العلمي والديني وأما وجهة النظر الثالثة فهي لا تحسم الخلاف بين الدين والعلم ولكنها تجنبه الكثير من المواقف  هنا أمثلة ستأتي لاحقا كما أننا سنقول المزيد عن هذه الفكرة عند حديثنا عن مصادر الثقافة والفكر الاسلامي خاصة القرآن فانتظروا معي إن شاء الله تعالى. مشكلة فريق العلم:وهناك مشاكل عديدة طالت المتحمسين للعلم إن أمهلنا أنفسنا في ذكرها فإن الوقت لا يهملنا (أيها الأحبة) فأقدم القليل منها:

1    إنكار اليقين:

يقول شبستري في الفضاء الفكري الجديد لم يعد هناك حزم فلسفي أو علمي ولم تعد ثمة نتيجة من طلب اليقين والبحث عنه؟!يعلق عليه الشيخ السبحاني حفظه الله تعالى:هذا يعني العودة إلى السفسطية التي كان لها ضجيجها في الحضارة اليونانية؟!هل يصح القول أن الإنسان خسر يقينه في بدهياته هل عاد جدول الضرب الفيثاغوري شيئا لا يمكن الجزم به والتعويل عليه؟!وهل سقط الاعتبار عن القضية الهندسية القائلة بأن زوايا المثلث تعادل 180 درجة؟!

2   كثرة أخطاء العلم:

نعرف أن العلم والتجريبي منه أو الحسابي ( الفلكي) على وجه الخصوص يخطأ ويخفق كثيرا في مجالات اكتشافاته وعلينا أن لا ننسى أن الخطأ الذي يريد العلم أن يثبت قوته به وهو حركة الكواكب وعدم ثباتها هو في السابق خطأ علمي ثم اكتشف عدم صوابيته بينما الدين لم يكن ليصدق بثبات الكواكب حول مركز معين من أول لحظة عرفه فيها الناس يقول تعالى:{وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} (38) سورة يــس.[1] من المسائل التي يتعلق بها فريق العلم:عدم التطابق بين قول العلم أن الأرض أنشئت في ملايين السنين أو أكثر وبين قوله جل وعلا: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} (54) سورة الأعراف.وهذا لم أشأ أن أذكره كمثال (أيها الأخوة الأفاضل) بل أردت أن يكون التعليق عليه شرح لواحد من أهم الحلول لرفع غائلة التعارض بين العلم والدين الإسلامي:ذكر علماء ( الكلام الجديد) أن عدم الدراية بلغة القرآن والدين هي التي تدفع نحو الاعتقاد بالتناقض الدين علمي أو العلم ديني!!فمن لغة الدين التجوز ومن لغة الدين الرمزية ...فمثلا اليوم يطلق على أزمان نسبية فيوم القمر 29 يوما من أيام الأرض فأيام العالم الخارجي تختلف عن أيام عالم الأرض يقول سبحانه:{تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} (4) سورة المعارج.. اللغة الرمزية:إن لفظة الرمزية ليست وقفا على المعنى الذي أبدعه هيغل أو الذي استعمله شبستري وهو:أن تكون لغة القرآن الكريم لوحة فنية أو مقطوعة شعرية، أو قصة تتألف من مجموع رموز علينا أن نخوض في تحليلها..بل أقصد بالرمزية المعنى الذي ذكره الشيهد الصدر قدسره في أحد مقالاتهوهو الفرق بين الفكر المدرسي والمذهبي..وأن الإسلام يشكل لنا مذهب لا مدرسة.. 

 
[1] فلسفة الفكر الاسلامي. 34.


الفكر الإسلامي (7)
الدين وحقوق الإنسان

من حديث الفكر الجديد ( علم الكلام الجديد) مسألة حقوق الإنسان وهل يمكن أن تكون إسلامية في قبال الحقوق المرسومة غربيا أولا؟

فإذا كان عدد من العلماء والفلاسفة الإسلاميين كالشهيد مطهري وجوادي آملي والشيخ محمد تقي جعفري وغيرهم يرى ذلك ويدافع عنه فإن الشيخ شبستري الكاتب الإيراني المعروف يرفض النظرية الإسلامية لحقوق الإنسان ويبدو كالمبتبني للنظرية الغربية؟

  متى خرجت الدعوة إلى حقوق الإنسان؟

بدأت المطالبة بالحقوق العادلة والشاملة كلبنة أولى عام: 1919م عندما تأسست عصبة الأمم كمحاولة حقيقية لإحلال السلام وقد وصل عدد أعضائها إلى أكثر من ستين.. ومع ذلك لم تكن فعالة بسبب عدم وجود دعم عسكري لقراراتها ثم اجتمعت في العام: 1945م وفود خمسين دولة في مدينة سان فرنسيسكو في الولاية المتحدة ووضع ميثاقها.

فهذا النظام الحقوقي مر بمراحل متعددة وتقلب في أزمنة طويلة حتى أعلن في الأمم المتحدة يعني منذ القرن السابع عشر والمحاولات في هذا الصدد تتتالى ومن بين المفكرين الذين كتبوا في حقوق الإنسان جان جاك روسو وغيره..

إلى أن أعدت الأمم المتحدة لائحة خاصة بحقوق الإنسان وكان ذلك على وجه التحديد في عام:1948م أي بعد الحرب العالمية الثانية..

 أسس النظرية الإسلامية:

يقول جوادي الآملي حفظه الله أن حقوق الإنسان يجب أن تصدر عن ماهيته المشتركة وهي فطرته وبما أن الله هو الذي يعرف هذه الماهية المشتركة بين البشر فهو الوحيد الذي يمكنه تحديد حقوق الإنسان وقد ذكرها في الكتاب والسنة..[1] 

** هذه المرة خطوة أو خطوتين إلى الخلف لكي نستفيد من حديثنا عن فطرية الدين.** هذه دقة في حصر نظام الحقوق بالمبدأ الإلهي. وفيما لو أردنا أن نعرف الأساس الذي انبنت عليه النظرية الغربية لحقوق الإنسان فإن الشيخ الجعفري رحمه الله يقول متسائلا:

فأي تفسير للإنسان نتبنى حتى نعد له حقوقا ثابتة هل نعتبر الإنسان وجودا ذا كرامة ذاتية؟أو نعتبره ذئبا؟هل يمكننا الحديث عن حقوق الإنسان في ظل أفكار بعض الفلاسفة الغربيين الذين يدافعون عن أصالة القدرة ويعتبرون التنازع من أجل البقاء محور الحياة؟وقد قام بمقارنتهما في كتابه وحدد نقاط الإشتراك والافتراق بينهما ولمزيد من الإيضاح نقتطف بعض كلامه:

1  من وجهة نظر الإسلام تعادل حياة إنسان واحد حياة جميع الناس أي يطرح الإسلام الإنسان على مستوى الكيفية لا الكمية، بينما الغرب يعطي قانونا عاما على مستوى الكمية؟!

2   أحب الناس إلى الله أنفعهم للآخرين إذن تقوم علاقة الإنسان مع الله على ضوء علاقته بسائر الناس، بينما هذا لم يلاحظ بدقة في القانون الغربي.يحدد الإسلام هدفا ساميا لحياة الإنسان وهو القرب الإلهي وهو ما يوفر مناخا للوحدة بين الناس .. 

ملاحظات شبستري:

يقول أنهما بنوا حقوق الإنسان على أسس ميتافيزيقية وفلسفية كالفطرة وغيرها وهذه تمنع من عالمية حقوق الإنسان الإسلامية يقول:يدور الحديث في كتب السادة عن أناس لا يعيشون على هذه الكرة الأرضية( أي فلاسفة خاصة) وليس لهم (أي تاريخ أو تجربة وكأنهم الملائكة لا ينظرون إلا إلى فطرتهم وطبيعتهم ويمكنهم الغض عن جميع عقائدهم وأفكارهم وأحاسيسهم وعواطفهم وتاريخهم) ، وأخذ القاسم المشترك بينهم وهو الفطرة والطبيعة الإنسانية ثم تقديم حقوق لهذه الفطرة والطبيعة المشتركة.

1   لم يدعو أحدهم للغض عن الجهات التي ذكرها  (أنظرها بين قوسين) بل هذا ادعاء خطير.

2   إن هذا الإيراد حاصل على لائحة الحقوق في المنظور الغربي يقول الشهيد مطهري في خطابه أمام نواب المجلس الإيراني:"" إن لائحة حقوق الإنسان ليست اتفاقيات كي يمكن للسلطات التشريعية في مختلف البلدات أن تصادق عليها أو لا تصادق إن لائحة حقوق الإنسان فلسفة وليست قانونا فيجب أن يقرها الفلاسفة لا النواب إن هذه اللائحة حين تصدر من مجموعة من المفكرين والفلاسفة فإن الإمم يجب أن تضعها بين أيدي فلاسفتها وأخصائي الحقوق لديها  فإذا وافق عليها فلاسفة ومفكرو تلك الأمة كان على أفرادها أن يتعاملوا معها على أنها حقائق فوق القانون ""[2] 

3   أنه لم يدقق فيما ذكره جوادي آملي في كتابه ( فلسفة حقوق الإنسان) ولا الجعفري في كتابه: ( دراسة في نظامي حقوق الإنسان العالميين)..وسأنقل طرفا من كلام الجعفري لنرى أنه ترك الجوهرة وأخذ بالصدف؟

1   تعتمد حقوق الإنسان في الإسلام على الإرادة الإلهية وقد أعتبر الله سبحانه الالتزام بهذه الحقوق من تكاليف عباده فيكون التزام الناس بها لوجه الله لا على أساس مصالح ذاتية[3].

2   الإسلام دين إبراهيمي تمتد جذوره في فطرة الإنسان وكذلك هي جميع الأديان الإلهية وهذا ما يسهل إثبات عالمية حقوق الإنسان أو على الأقل هذا ما يدفع متديني العالم لتمسكهم بها[4].

3    يهتم الدين بكمال البشر ولا تقتصر تعاليمه على الحياة الطبيعية للناس بل تشمل حقوق أرواحهم أيضا وهذا ما يضمن حياة طبيعية رغيدة لهم.

4    استخدم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مصطلح أعضاء الأسرة البشرية وهو مصطلح في غاية الأهمية وقد وثق الإسلام من قبل العلاقة بين الناس بتأكيده على أن الجميع عيال الله وخيرهم أنفعهم لعياله معطيا بذلك أكبر ضمان لتطبيق حقوق الإنسان.

5     من أهم سبل تطبيقها ضبط أنانية الإنسان نفسه وقد صرح الفكر الإسلامي بذلك فمادامت أنانية البشر مطلقة العنان لا يمكن الحد من أحتقار حقوق الناس الذي يؤدي إلى الأعمال العدائية والوحشية. هذه مجموعة من المشتركات وهناك فوارق:

1   لا نقر بكرامة الإنسان دون معيار أفضلية التقوى وتشجيع الناس على اكتسابها وللأسف لم يلتفت الإعلان العالمي لهذا الأمر.

2   أكد الإعلان العالمي على الحريات الطبيعية لكنه لم يولي حرية الإنسان الروحية أهتماما.

3   لم يتطرق الإعلام لبعض الحقوق الجماعية للإنسان كحق دفع الاستضعاف .صرحت حقوق الإنسان الإسلامية بعدم جواز استخدام أي وسيلة تؤدي إلى القضاء على حياة الناس وهوما لم يصرح به الإعلان الغربي .

4   لم يميز نظام حقوق الإنسان الغربي بين الكرامة الذاتية والكرامة القيمية للإنسان فيما صرح الإسلام بذلك..

5   يرى الإسلام وجوب تحديد الإعلام وأجهزته في إطار ما يخدم تطور البشرية فيما لا يشير الإعلان العالمي إلى ذلك، بل لا يرى إشاعة الإنحراف الأخلاقي منافيا لحقوق الإنسان.فهو قد أغفل كل هذا ولم يعقب عليه لا بقليل ولا كثير ولاحظ فقط أنهم أعتمدوا أساسا ميتافيزيقيا أو غيبيا وهو الفطرة؟! 

كيف يمكن لنظام الحقوق الإسلامي أن يكون عالميا؟

وأضيف هنا على كلام الأعلام أن النظام الإسلامي الذي اجتهد في صب القواعد وبناء الأسس الفكرية قد جاء بجوامع تمكن الإنسان من سن قوانين حقوقية عامة ومن أهمها:

أ) تعظيم العدل والإحسان:

قال عز ذكره:{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } (90) سورة النحلوالموقف التأريخي لهذه الآية يقول أن عثمان أبن مظعون يقول:"" كنت أسلمت استحياء من رسول الله ص لكثرة ما كان يعرض علي الإسلام ولم يقر الإسلام في قلبي فكنت ذات يوم عنده حالة تأمله وشخص بصره نحو السماء كأنه يستفهم شيئا فلما سرى عنه سألته عن حاله قال نعم، بين أحدثكم إذ رأيت جبرئيل في الهو أتاني بهذه الآية ...... وقرأها إلى آخرها فقر الإسلام في قلبي"".

 ب) استعظام الفساد:

يقول تقدست أسمائه : {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} (56) سورة الأعرافوقد أرتفع مستوى المطاردة القرآنية للفساد فأضحت كلمة : فسادا، مفسدين، الفساد، هي الكلمة الأبرز والصفة الأوضح من بين الصفات السلوكية المنحرفة التي ندد بها، كما قد علل بها استحقاق كثير من الأمم السابقة والقرون الخالية للعذاب...يقول تبارك وتعالى عن فرعون: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} (4) سورة القصصويعيب به على ثمود إذ جاء في التنزيل: {الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ} (12) سورة الفجر.

والظلم والإفساد ضرر ونقص والإسلام لا يصحح الحوار والتسامح مع جميع مظاهر أي من هذين وينبعث بأحكام لاجتثاث واقتلاع مادة الظلم والفساد من الجذور المتجذرة.فقسوة هذه المعاملة مع أرضية الظلم والفساد كقسوة آلة الحراثة والندر على أرض يراد إصلاحها للزراعة.وبهذه المبادئ يمكن أن يكون عالميا عكس ما يصوره شبستري! 

مثال الزنا ومبدئي الفساد واختلاط الأنسابعن أبي الحسن الرضا ع : "" وحرم الله تعالى الزنا لما فيه من الفساد من قتل النفس وذهاب الأنساب وترك التربية للأطفال وفساد المواريث وما أشبه ذلك من وجوه الفساد"".وفيه فساد ترك الحد واللا تناهي في العد فيحق للإنسان أن ينكح ما شاء متى شاء كيف شاء وهذا بحد ذاته مفسدة عظيمة يجعل الحياة حيوانية فاسدة.سنتكلم عن الحرية كمفردة من الحقوق لوحدها إن شاء الله تعالى وبعدها ندخل في أهل البيت عليهم السلام. 

 
[1] نصوص معاصرة. العدد 7. 289.
[2] نظام حقوق المرأة في الإسلام 114. نقلا عن مقالات إسلامية 57.
[3] التكليف هي أساس السياسة الإسلامية ولنا فيها تفصيل:
[4] أي من ناحية شرعية لا أن الأديان فصلت في ذلك.


الفكر الإسلامي (8)
محبة أهل البيت عليهم السلام
بالمرور على هذا الموضوع الكريم الذي يمثل قمة الحساسية، ينبغي المرور به بروية فكرية وموضوعية نفسية لأنه منعرج خطير ومنعطف غير آمن بسبب التراكمات التاريخية والنعرات الطائفية وغيرها...

  محبة أهل البيت عليهم السلام

 

في البداية لا يفوتني أن أنوه على المحطات والحلقات التي سيتواصل فيها حديثنا على مدى أسابيع إن شاء الله تعالى.

الحلقة الأولى:

 وتشغل هذه الليلة هي: حقيقة المحبة لأهل البيت عرض نفسي واجتماعي...الحلقة الثانية: المحبة الصادقة لأهل البيت عليهم السلام بين المسلمين خاصة وعامة شيعة وسنة، ومَن مِنَ الفريقين حقق اندماجا أكثر بأعلام هذا البيت الطاهر؟وبطبيعة الحال ستكون الدراسة ممحضة في كتابي:

علموا أولادكم محبة آل البيت للدكتورعبده يماني

 ومقدمة الرسالة الذهبية للدكتورمحمد علي البار التي أفرغها في مائة صحيفة تقريبا..

الحلقة ما قبل الأخيرة:

في محاولات بائسة ومساعي محتالة لقلب الطاولة على أتباع أهل البيت عليهم السلام وأنهم أعداء حقيقيون لأهل البيت عليهم السلام حيث تبرأوا من عبدالله بن عباس، ونفوا بنات النبي صلى الله عليه واله وسلم،  بل وقتلوا الحسين عليه السلام كما سمعنا هذا ضمن حديث الكثير ومنهم القرني هدانا الله وإياه، وأخسرها في ميزان القراء لنا والمتابعين لمقروءاتنا وصوتياتنا أننا نكفر بعض أهل البيت عليهم السلام؟!..

الحلقة الختامية:

وهي اختيارية عن دور علوم أهل البيت عليهم السلام في التقدم الحضاري والدفاع عن الدين في عصر التشكيكات والتأويلات، سواء الخارجية منها كنظرية أصل الأنواع، والغريزة الحيوانية الجنسية للمحلل النفساني فرويد أو الداخلية وهي كثر أيضا .. 

أجزاء حديثنا هذه الليلة ثلاثة:

1   حقيقة المحبة.

2  المحبة هي لقاح الإتباع والانصياع والتطامن لأهل البيت عليهم السلام ، لأنها صورة من  الاندماج الصادق.

3  المحبة نقطة اشتراك  وتوسط بين أطياف الأمة شيعة وغير شيعة متصوفة وغير متصوفة.. والآن هيا بنا إلى النقطة الأولى وهي حقيقة المحبةالحب والمحبة هي النزوع نحو الشيء والتعلق به كما أن البغض يعني النفور من الشيء ...

 وهذا النزوع والتعلق قد يكون مع الله سبحانه أو الذات أو الآخرين من إخوة أو زوجة أو صديق أو أستاذ ... وقد يكون مع البيئة!

وإننا نرى أن الحياة لا تتسق ولا تستقيم إلا بالمحبة والحب المتبادل وعلماء النفس إذ قالوا بأن الشخصية السوية والمتوافقة إجتماعيا، هي التي (تُـحِب وتُـحَب)ففي الواقع قد تقدمهم إلى هذا أهل البيت عليهم السلام بإشارة جميلة وجملة مشيرة:"" لا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف ""! 

المحبة جاذب مغناطيسي في الدعوة:

وهنا نصوب النظر في النقطة الثانية..

الأنبياء إذا أرادوا التأثير في النفوس ورفع الناس إلى مستوى الأخلاق والطاعة ليس طريقهم الأول الحرب كما ربما أشيع على نبينا صلوات الله عليه وعلى آله الكرام الطيبين  ولكنه الحب والمحبة الخالصة التي تمكنوا بها من قلوب الناس واستطاعوا إخضاعهم بما قذفه الله من محبتهم في قلوب قومهم، ومن هنا يؤكد أتباع أهل البيت عليهم السلام على أن الإمام دعك عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا تنقصه خلة من خلال المحبة بل ينبغي أن يكون كاملا مكملا من هذه الناحية..لأنك إذا أفعمت بمحبة شخص فإنك لا تنفس عليه بشيء مهما كان وهو المعنى الذي أجمله الشاعر في قوله:وألف عين لأجل عين تكرموفصله التأريخ في مثل حكاية الذلفاء، وذاك الذي طلق زوجته وزوجها من رجل آخر..وقد يسمى هذا من المكارم المستعارة أي تتحول إلى العدم وكأن لها عمرا وأمدا معلوما ينتهي بانتهاء ذلك الإنسان المحبوب؟!

يقول الكاظم عليه السلام  :

اللهم لا تجعلني من المعارين ولا تخرجني من التقصير[1]. أي من الذين يكون الإيمان معارا عندهم غير ثابت في قلوبهم ولا بحيث ارى نفسي غير مقصرة..

وهنا يأتي كلام مالك بن نبي...

التعلق بالصور، التعلق بالشخص، التعلق بالأفكار، وقد قيم الكثير ممن حول النبي بالتقييم الثاني حيث قال تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ} (144) سورة آل عمرانولذا من يحمل في طيات فكره وألياف قلبه أصالة المحبة يأتي الناس بما هو شاذ عن مألوفهم لكنه قريب من معروف الدين فيبدو كالمجنون في ناظرهم...

 شهادة "لوبون" الطبيب الفرنسي في كتابه حضارة العرب:

ينقل قصتين ينفي من خلالهما انتشار الإسلام بالسيف فيقول هي عملية أشبه بالسحر أنتشرالإسلام في الهند ولم يكن العرب إلا عابري سبيل بخلاف النصرانية التي تكدح وتبذل الأموال الطائلة بدون طائل..وايضا أنتشر في مصر خلال قرن واحد من افتتاحها على ما هي عليه من التعنت الذي عانى منه النبي موسى ثم يقولبل هناك من غزا الإسلام لتحطيمه كالمغول ولكنهم خرجوا مسلمين؟! 

الاندماج أحسن التعابير عن المحبة:

ولأن المحبة تمثل الاندماج الروحي الذي هو أرقى وأبعد أثرا من أي صياغة أخرى للاندماج فإنهم صلوات الله عليهم لمحوا هذه الصفة وأكدوا عليها بعبارة هي من أحسن التعابير فإذا أردوا التأكيد على اندماج شخص بهم قالوا: " منا " كما في قول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم:"" سلمان منا أهل البيت""[2].. ومن بعض ما بُثَ لهم سلام الله عليهم تجاه رجالهم وأصحابهم: ""أبو ذر منا أهل البيت"" ..ويقول الصادق عليه السلام لعيسى بن عبد الله القمي:"" يا عيسى بن عبد الله ... إنك منا أهل البيت""..وإذا أرادوا الحكم على روح بالانفصال عنهم ساقوا كلمة منا أو مني مساق النفي بليس مثلا ، فقد روي عن أمير المؤمنين وعن الصادق أيضا عليهما السلام: "" ما زال الزبير منا أهل البيت حتى نشأ أبنه المشؤوم ""..

والاندماج يمكن أن يكون من طرف واحد ويمكن أن يكون من طرفين إذا جاء شديدا وحائزا على التفاعل والتصاهر يقول صلى الله عليه واله وسلم: "" علي  مني وأنا من علي "" وسمع عنه أيضا: "" حسين مني وأنا من حسين "" أي أن الاندماج قد بلغ شأوه ومداه..كما أن التنافر والتباعد أيضا قد يأخذ مدى قريبا كما في قوله: "" إني أصوم وأفطر وأصلي وأنام وأمس النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني"" أي أنك مبتعد عني وأنا متقرب إليك..ويأخذ مدىً بعيدا وقد وضع  صلى الله عليه واله وسلم صورة ذلك في قوله: "" من خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها لا يتحاشى مؤمنها ولا يفي لذي عهدها فليس مني ولست منه  "" ونشير إلى أن هذا التعبير قد أقتبسه النبي صلى الله عليه واله وسلم من القرآن العظيم: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي } (249) سورة البقرة 

محبتهم والوحدة بين المسلمين:

يلاحظ المتابعون لملف الوحدة الإسلامية أنها تنقلت في الأعمار والمراحل فقد كانت تأسست على فكرة أن الرب واحد والبيت واحد والقرآن واحد  والجهاد واحد... وبقيت سنين تقرب من القرن الواحد ( من عصر جمال الدين إلى يوم الناس هذا)وهي تلحن هذه الأنشودة لعل وعسى أن يذوب الجليد بين المسلمين ولكن دون طائل..

ولكن اليوم نجد نغمة جديدة وهي محبة أهل البيت عليهم السلام فبعد أن نام إخواننا أهل السنة عن محبة أهل البيت ولم يكتبوا فيها ولم يصنفوا بل خلت منها خطبهم بل لم يبرز حبهم لهم على ألواح المدارس ولا المؤسسات الديني بينما كثرت أسماء الصحابة والتابعين وتابعي التابعين بعد هذا السبات الثقيل عادوا الآن ليتكلموا عن فضائل أهل البيت عليهم السلام وضرورة محبتهم ونبش الروايات المنسية في هذا الجانب؟!طبعا سأتكلم عن دوافع هذا بفاضل القول ومطوله في حلقة مقبلة كما وعدتكم إن شاء الله تعالى ولكن ما أريد قوله أن هذه النغمة هي إفراز طبيعي لدعوة الوحدة التي نأمل أن تستمر بعقلانية ومعنوية متعادلة..

هذا قولي لمن يسأل عن فائدة وعائدة الدعوة إلى الوحدة فإن الإلحاح عليها يولد مثل هذه النتائج مثل ما ولد إلحاح الشيعة إلتفات السني والشيعي المسلم وغيره إلى مصاب أبي عبد الله واستفضاعه وانتزاع إدانة عالمية رسمية لموقف الأمويين وهذا انتصار عظيم. 

 
[1] الباقيات الصالحات : 765.
[2]  سأل أبو عيسى الصادق عليه السلام : أمن قول رسول الله ص سلمان رجل منا أهل البيت  فقال نعم فقال أي من ولد عبد المطلب فقال منا أهل البيت فقال أي  من ولد أبي طالب فقال منا أهل البيت فقال أني لا أعرفه فقال فاعرفه يا عيسى فإنه منا أهل البيت ثم أومئ بيده إلى صدره ثم قال ليس حيث تذهب إن الله خلق طينتنا من عليين وخلق طينة شيعتنا من دون ذلك فهم منا وخلق عدونا من سجين وخلق طينة شيعتهم من دون ذلك وهم منهم..."". والطينة هنا تعبير عن الاندماج أيضا ولعلها ترمز إلى اندماج مكتسب بالعجن والبلة هذا إذا كان في المقام متسع للرمز والترميز وإلا فقد خاض العلماء في تفسير أحاديث الطينة وقالوا غير ذلك.



الفكر الإسلامي (9)
محاكمة الدكتور محمد عبده يماني في محبة آل البيت عليهم السلام

كنا على موعد مع الحلقة الثانية من سلسلة حلقات موضوع المودة والمحبة لأهل البيت عليهم السلام الدعوة التي اهتم بها القرآن الكريم:{ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى } (23) سورة الشورى، وبلغ له الرسول صلى الله عليه واله وسلم وملئت الروايات الخاصة بهذه الدعوة طوامير الكتب وكراريس المحدثين..

وقد تسابق المسلمون على هذا المبدأ سواء الإثناعشرية أو غيرهم وجادت قرائح العلماء فيه بعدة كتب على امتداد العصور الإسلامية..

محاكمة الدكتور محمد عبده يماني في كتابه:

( علموا أولادكم محبة آل بيت النبي صلى الله عليه واله وسلم )

 

سأفوت الكلام على ما صنفه فريق الشيعة حول هذه المفردة الهامة وأتخطى ذلك إلى ما كتبه إخواننا السنة، لا دعوىً مني بكمال الدراسات الشيعية وعدم تسجيل نقاط حولها ــ وهي قليلة بطبيعة الوضع ــ ولكن نحن عقدنا الجلسة لمحاققة الفريق الآخر ومحاكمته في دعوى المحبة لأهل البيت عليهم السلام والانتساب بنسبة الولاء لهم.

ومن بين ما قرأت في مكتبة الآخر كتاب: علموا أولادكم محبة آل بيت النبي صلى الله عليه واله وسلم ، د. محمد عبده يماني، وهو كتاب ذائع الصيت وقد أحل في عدت طبعات وإن تناولنا سيكون خاص بطبعة: دار القبلة للثقافة الإسلامية.جدة، لعام:1412هـ ، يقع في مائتين وخمسين صفحة من القطع الوزيري.

فبعد الإجالة الخاطفة في عناوينه والسياحة العابرة في صفحاته تشكلت في ذهني ويراعي بعض الملاحظات لن أؤدي إليكم ــ أخوتي الأكارم ــ سوى جزء منها.. 

بادئ بدء:

يمكن التدقيق على هذا الكتاب بما يحمله من صورة أكاديمية بأنه قد تضمن أحاديث كثيرة جدا أرسلها بلا مصدر ولا سند أصلا وإخال أن هذا مزري بالكتاب كصورة أكاديمية.. 

التسمية بآل البيت عليهم السلام:

إن  أول اختلاف ساد بيننا(معاشر المسلمين شيعة وسنة) هو في شمولية أو قصورية هذه التسمية..فترى هل تطلق على: علي وفاطمة وابنيهما الحسن والحسين خاصة؟

أم أنها شاملة لزوجات النبي صلى الله عليه واله وسلم

أم أنها حاوية لجميع بني هاشم من بني العباس وبني عقيل وبني جعفر...؟

شدد المؤلف في كتابه الذي نوهنا عليه في الصفحة: 17، 18، 54، وما يتبعها من الصفحات، وكذا الشيخ عثمان الخميس في كتابه حقبة من التأريخ على شمولية وجامعية هذه التسمية من ناحية شرعية لجميع من ذكر وإن كانت لبعض دون بعض خصوصية ففي الفضل فقط، وهما في هذه المقولة عَيال على من تقدمهما من علماء إخواننا أهل السنة..

ودليله الأول خبر جاء في متن البخاري ومن عداه "" اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته "".وثنى بدليل آخر جمع إليه الأول وهو عموم آية التطهير قال: وأن أزواجه من أهل البيت بعموم الآية الكريمة وبمنطوق حديث الصلاة عليه وعلى أزواجه وذريته[1]..

وسنبدأ في المناقشة من حيث بدأ هو، أنظروا أيها الأخوة الأطايب:

إن الحديث الذي ذكره لا يدل على كونهم من أهل بيته وإلا لدخل في أهل بيته كل من جرت عليه الصلاة وممن تجري عليهم الصلاة عامة المؤمنين يقول تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (103) سورة التوبة.

ثم إن لفظ أهل البيت لم يسبق ذكر أزواجه وذريته ليقال هذا من عطف المفصل على المجمل!

واستتمام الجواب في:

 مناقشة الدليل الثاني:

من غير العلمي أن نقول بعموم الآية لغير الخمسة عليهم الصلاة والسلام وذلك إدانة منا بالملاحظات التالية:

1   أن هنّ روين اختصاصها ببنته وبعلها وولديهما.. يقول بن الجوزي أنه خاص برسول الله صلى الله عليه واله وسلم وفاطمة وعلي والحسن والحسين قاله أبو سعيد الخدري وروي عن أنس وعائشة وأم سلمة![2]، والهام في هذه النقطة أن الرواي هم إما من داخل البيت نفسه أو من أقرب الأصحاب إليه وعلى رأي المثل: صاحب الدار أدرى بما فيه!![3] 

2   نفي عائشة القاطع لأي آية نزلت فيهم قالت:"" والله ما نزل في آل أبي بكر شيء من القرآن""، ولا ينبغي الوقوف عند هذا الحديث بتوهم أنه يشير إلى نفي آية تجمع آل أبي بكر وذلك أنها كانت تريد نفي النزول فيهم جملة وفردا ولذا استثنت في الحديث ما نزل فيها لوحدها وقالت : "" إلا براءتي ""[4]مع أنها لا تمثل مجموع آل أبي بكر[5].. 

3   الحديث الذي يعرض رغبة أم سلمة ( وهي زوج الرسول ) في الدخول معهم ورده لها..ويتصل بهذا الوجه سؤال جوهري يتطلب جوابا جوهريا ايضا وهو:لما لم يجلل النبي صلى الله عليه واله وسلم بكساءه أحدا غير هؤلاء حتى زوجة من زوجاته لا أقل فيدل ذلك على شموله لعمومهن وهو المؤتمن على بيان الحقائق؟!

4  أن (الأهل) إن كانت تطلق على الزوجة مثلا فلا شك  في أن جذبه صلى الله عليه واله وسلم أطراف الكساء وقوله : اللهم هؤلاء أهل بيتي يفيد استعمالا شرعيا خاصا بالنبي صلى الله عليه واله وسلم . وفي البحث مجال مقتض للزيادة ولكن في الوقت مانع وحراجة[6].. 

الوقوع في المنافاة المنطقية:

قد يقف الباحث مذهولا ( في مرحلة تقميش المعلومات وكتابة المسودات ) أمام سعة وعمق المادة التي يريدها وطبعا أنا وأنت أو أي كاتب عليه أن يقدر عقول القراء ويحترم أفهامهم فلا يقدم ما فيه سخرية بالعقول..ومن هذا الوجه ما قدمه الدكتور يماني حفظه الله ففي ذات الحين الذي يبين فيه أن على ذرية رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أن يحترموا نسبهم وصلتهم بجدهم نبي الرحمة وأن نسبهم لن ينفعهم بل إن الإثم والوزر منهم على ضعفين من غيرهم وقد استشهد بالحديث القائل: "" من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه"" عاد وهو يتحدث عن الصحابة ليقول بوجوب رعايتهم جميعا والمحبة لهم جميعا..

 ونحن نقول هل من أبطأ به عمله يسرع به صحبته؟!!!

مالكم كيف تحكمون؟!!

يجب أن لا يفوت أخوتي أننا لسنا ممن يكيل لكل لصحابة الصاع صاعين كما يلصق بنا إنما توقفنا في النظرة العمومية لجميع الصحابة .. أقول إنما نزاعنا مع من يريد أن ينزههم ويعدلهم جميعا.. وإلا فلسنا ننكر أن في الصحابة من ثبت على محبة أهل البيت عليهم السلام وهم متفاوتون أيضا كتفاوت الذين اختارهم موسى من قومه فمن سبعة آلاف إلا سبعين رجل ... إلا ...[7] 

ولأجل الوقوف أكثر على حقيقة التنافي أرجع إلى الصحفة: 47- 53، من نفس الكتاب. 

الإجحاف بمقام علي بن أبي طالب عليه السلام:

وقد سار في ذلك على سنة أكابره ومشايخه ــ يؤسفني أن أقول هذا ــ فلما ذكر المقامات الرفيعة والدرجات العالية لعلي بن أبي طالب ووجد نفسه على الرغم من حرصه على الإختصار قد أغرق وأطنب في تعداد مكارمه بل ونقل من إقرار العلماء كالإمام أحمد بن حنبل واسماعيل القاضي والنسائي وأبو علي النيسابوري قولهم:" لم يرد في حق أحد من الصحابة بالأسانيد الجياد أكثر مما جاء في علي رضي الله عنه"  [8].بعد هذا الاستعراض خشي أن يسبق ذهن القارئ إلى الحقيقة المطموسة وهي أحقية علي عليه السلام فداواها بأدوى منها يقول:

كان صلى الله عليه واله وسلم حريصا عليه وكان به حفيا ولكنه لم يوص به خليفة له ولم يوص بأحد خليفة بل ترك الأمر للمسلمين يختارون حاكمهم بمحض إرادتهم الحرة...

ثم التفت هنا إلى أنه لم يرض بعض المتشددين الذين يقولون أن أبابكر منصوب من قبل النبي صلى الله عليه اله وسلم فأضاف:

وإن كان أشار إشارات إلى خلافة ابي بكر رضي الله عنه فقد أمره أن يصلي مكانه في مرضه الأخير وقال صلى الله عليه واله وسلم : "" ويأبى الله والمؤمنون إلا أبابكر"" والنصوص التي تحتوي الإشارات كثيرة[9]!!

ولن نكيل له بصاعه ولا نمسح له بذراعه ولكننا نريد قول الحق.. 

استخلاف علي وأبي بكر:

أيكون الاستخلاف في الصلاة ــ وهي التي لم تصح حقيقة ــ لمرة واحدة وفي صلاة تجوز خلف كل بر وفاجر حسب أعتقادكم ولدقائق فقط  إشارة إلى الاستخلاف ولا يكون استخلاف علي في مكة على ودائع النبي ثلاثة أيام إشارة إلى استخلافه..

أم ألا يكون استخلافه في غزوة تبوك إشارة إلى ذلك وقد قرنها النبي صلى الله عليه واله وسلم بأقوى من الإشارة حيث قال:"" ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي"" !!

والأعجب أنه قد ذكر هذه المواقف ضمن مناقب علي عليه السلام ولكن عقله المريض لم يستشعر الإشارة فيها!!

أم ألا تكون إرادة استخلافه واستبقائه في المدينة عند بعث جيش أسامة إشارة إلى ذلك!!

القلب الذي يهش ويبش لإشارة وهمية ويغمض عن إشارة واضحة وجلية نسميه محب لآل بيت النبي صلى الله عليه واله وسلم ؟!!

ثم هل إعطائه حق قتال المؤلة لكتاب الله في قوله : إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله .. إلا إشارة واضحة على الاستخلاف فإن القتال من مستلزمات الإمرة والخلافة..

 وقد ذكر هذا ولكن حُـجُبُ الانتماء وعمى التقليد منع الرؤية عنده هدانا الله وإياه؟!!!

ولكي لا أستبحر في البحث أكثر ولا أستوسع أزيد من هذا المقدار أأتي بسؤال ونداء في الوقت عينه..

أليس أرجى ما يطلب من الوالي والخليفة أن يرفع أهل الإيمان ويضع أهل النفاق ويجعل الجميع في أمن من شرهم وكيدهم أليست هذه علامة القوة في الخليفة؟؟

أليس من يقدر على تمييز الحق من الباطل هو الأحق بالخلافة؟؟

لا أتوقع جوابا بالنفي لأن أهم ما يتصدر له الخليفة هو القيام بأهم ما كان قد جاء به النبي صلى الله عليه اله وسلم  ونعرف أن هذا هو الهدف من هجرة النبي..وهو الغاية من حروبه وغزواته..وهو الغاية من هدره لدماء بعضهم ونفيه بعضهم الآخرهذا كله شرح السؤال قبل السؤال وأما مادة السؤال فهي:

 
[1] 18.
[2] زاد المسير في علم التفسير، 6/ 381- 382.
[3] نعم رويت روايتان في شأن نزولها وأنها نازلة في نساء النبي ونميتا إلى ابن عباس ولكنهما ضعيفتان لا اعتبار بهما عند الجميع ومخالفتهما ما عرفت من النصوص الصحيحة الصريحة ومنها عن بن عباس نفسه وتنص على أنها خاصة بأصحاب الكساء فقط، وإحدى هاتين الروايتين وهي رواية الواحدي فيها أكثر من راو ضعيف، وأما رواية ابن كثير فساقطة سندا أيضا راجع إلى الرد على أباطيل الخميس ص50- 52.
[4] التسهيل لعلوم التنزيل الغرناطي:ج4، 43. وغيره.
[5]  وعندنا حول هذا الحديث كلام فهو نفي لما نزل فيها من قوله تعالى {إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} (4) سورة التحريم، كما قد استفاد منها بعض الكتاب دلالة قاطعة على نفي أن يكون أبوها مع النبي صلى الله عليه واله وسلم في الغار !!
[6] مما يمكن أن يضاف أن الإرادة في الآية تكوينية ــ إذ لو كانت تشريعية  لما كان لأحد على أحد فضل ــ ولا تناسب غير هؤلاء الخمسة.
[7]  قال الإمام الخميني قد سره في كتابه كشف الأسرار نحن نقول أن هناك نحو من مائة من الصحابة لا يعترضون أهل البيت عليهم السلام بما يكرهون.. وكنت أتعجب من هذا وزادني العجب حينما وقفت على كلام العلامة البحاثة الشهيد التستري في كتابه الصوارم المهرقة يقول:
[8] راجع إلى الصفحة: 106.
[9] 107.

 

الفكر الإسلامي (10)
محبة بن تيمية لآل البيت عليهم السلام؟!
بعد طول انقطاع نواصل وإياكم حلقات الفكر الإسلامي ومع الجزء الثالث من محبة آل البيت عليهم السلام..


محبة ابن تيمية لآل البيت عليهم السلام

في هذا الموعد وهذا المساء نستمر بالحديث عن شعيرة المحبة لأهل البيت عليهم السلام  وفي الوقت الذي يسعدنا فيه كلام علماء ومفكري إخواننا أبناء السنة:أنهم محبون حقيقيون لأهل البيت عليهم السلام نرى أو رأينا فيما جاء من محاولات( أخذت شكل الكتب والرسائل الكثيرة في الفترة الأخيرة) الكثير من الخلل..

ودافعنا في تتبع ذلك هو تبصيرهم إن كانوا عنه في غفلة، والله المستعان..

نقطة الانطلاق في الموضوع هذه الليلة هو مقدمة الدكتور محمد علي البار على كتاب الرسالة الذهبية في الطب: ط، الدار السعودية، عام1421هـ ، الطبعة الرابعة..

جادت محبرة هذا الدكتور وفقه الله  بكلام كثير في هذا الموضوع أستوعب مائة وعشرين صفحة على التقريب، يختص القسط الأخير منه بحياة الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام [1] وليس هناك كبير فرق بين ما جاء به هذا المؤلف وما جاء في الكتاب السابق للدكتور يماني .. بل لم أجد علامة فارقة سوى الصورة الملمعة التي عرضها لابن تيمية وأنه من العلماء المتطامنين والدائنين لأهل البيت عليهم السلام بالود والمحبة وقد عرض له نصوص وكلمات يستدل بها على ذلك..وإذ نتابع معه في حقيقة أو زيف هذه الدعوى فلأجل أن الخلط والخبط والخطل والخطأ كل ذلك يجد صورته الواضحة في نموذج الشيخ بن تيمية ..

 من نصوصه المكتوبة:

نقل له وفي الصفحة ـ 51 ـ من رسالته التي تحمل عنوان ( فضل أهل البيت وحقوقهم) مقاطع منفصلة بعضها عن بعض ومنها شيء كثير يدور حول آية التطهير وتوسعة دائرتها لنساء النبي صلى الله عليه واله وسلم ونحن نجتزئ بالجواب الذي تقدم مع د. يماني فلا نعيد..

وكان فيما جاء به كلام حول نهضة الحسين الشهيد سلام الله عليه ومنه ( ص 54):

ومن ذلك أن اليوم الذي هو يوم عاشوراء الذي أكرم الله فيه سبط نبيه وأحد سيدي شباب أهل الجنة بالشهادة على ايدي من قتله من الفجرة الأشقياء، وكان ذلك مصيبة من أعظم المصائب الواقعة في الإسلام...إلى أن يقول: فأتم الله نعمته عليهما( الحسن والحسين) بشهادته أحدهما مسموما وهو الحسن بن علي والآخر مقتولا وهو الحسين لأن الله عنده من المنازل العالية في دار كرامته مالا ينالها إلا أهل البلاء...إلى أن يقول( والنص من الفتاوى الكبرى): ولا شك أن عقيدة أهل السنة والجماعة هي محبة أهل بيت النبي وتوقيرهم واحترامهم والاحسان إلى محسنهم والتجاوز عن مسيئهم والكتب في ذلك طافحة بمحبتهم واعتقادهم وتوقيرهم اتباعا لأمر الله وأمر رسوله ومن أبغضهم فهو كافر أو منافق كما ورد في الأحاديث وهم الخوارج الذين وردت فيهم الأحاديث الصحيحة وأنهم يمرقون من الدين كما تمرق الرمية من السهم وأنهم يقرأون القران لا يجاوز تراقيهم..

أما البند الأول ــ في شهادة الحسين عليه السلام ــ فسأثني الحديث عليه إن شاء الله تعالى.

وأما البند الثاني ـــ في احترام السادة ـــ فهو أعلى ما وصل إليه إيمان ابن تيمية ولكن يبقى كلاما عاما لا يغوص في الأعماق بل هذا ما يستحقه كل مؤمن عادي وإن لم يكن من أهل البيت عليهم السلام،  فالسؤال الجوهري الذي يتطلب جوابا جوهريا أيضا:

هل هذا هو عنوان المحبة؟

أم هل يكفي في أن يكون الشخص من أهل الوداد والإخلاص لهم ولو تجنى عليهم في الجهة الأخرى وأنكر منازل الفضيلة وسرادق العظمة لهم؟!

 ماذا أنكر الشيخ ابن تيمية:

لم يسترسل ابن تيمية في موضوع أو قضية استرساله في إنكار الفضائل والمناقب لسادة أهل البيت عليهم السلام وإن كانت في أعلى درجات الصحة حسب موازين العلم..

ويبقى علينا في نهاية هذا البرنامج أن نحضر جوابا على هذه الذهنية،  وأما الآن فسنتعرف على مبلغ حب ابن تيمية لأهل البيت عليهم السلام مع كل واحد واحد منهم حسبما يمكننا الوقت:

الإمام علي صلوات الله عليه:

وقد كذب الكثير من مختصاته التاريخية في الحروب والغزوات وخواصه الذهنية والإيمانية التي جاءت على لسان الوحي..أنظر المرفق بهذه الصفحة ومن بين ذلك حديث معرفة المنافق والمؤمن بعلي، ونزول قوله تعالى:{ وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} (12) سورة الحاقة، وحديث:"" أنا مدينة العلم وعلي بابها"".وهذه الأمثلة قد استدل بها الكاتب قبل أن تأخذه الحمية على ابن تيمية وبهذا يكون قد وقع في تناقض لا يليق به..

ومن أشد قسوته على علي بن أبي طالب أنه حاول أن ينتصر لفكرة لمقولة معاوية في حق عمار قتله الذي أخرجه فقال ما نصه:فإن قال الذاب عن علي هؤلاء الذين قاتلهم علي كانوا بغاة فقد ثبت في الصحيح أن النبي ص قال لعمار بن ياسر: تقتلك الفئة الباغية. فههنا للناس أقول منهم من قدح في حديث عمار!وأما السلف والأئمة فيقول أكثرهم كأبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم:لم يوجد شرط قتال الطائفة الباغية فإن الله لم يأمربقتالهم ابتداء بل أمر إذا اقتتلت طائفتان وبغت إحداهما أن تقاتل وهؤلاء قوتلوا أبتداء قبل أن يبدأوا بقتال ولهذا كان هذا القتال عند أحمد ومالك قتال فتنة، وأبو حنيفة يقول لا يجوز قتال البغاة حتى يبدأوا بقتال الإمام وهؤلاء لم يبدأوا!!!!!!!!

فإن أخذنا بما وراء هذا الكلام فعلي هو قاتل عمار؟!

وإن أخذنا بما يحلوا لأنصاره أن يسموه بالظاهر فعلي أجتهد وأخطأ خطأ واضحا حتى أن مالك واحمد وابا حنيفة أفقه منه فيستدل بكلامهم على خطأ فهمه؟!

والتفت إلى الحديث المعروف الذي يحكي أمر النبي وعهده لعلي أن يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين فقال إن هذا الحديث موضوع بينما أسانيده واضحة الصحة وقد أتعب بعض السادة العلماء نفسه في  جمع أسانيده وتنقيته عليكم بالمراجعة..

  السيدة الزهراء:

فقد أنكر لها من الفضائل ما شاء الله..

كفضيلة تزويجها من علي وجعلها معارضة بتزويج عثمان[2] من بنتي النبي بينما الروايات الكثيرة تحكي أنه أمر من السماء بتزويجها حتى أن من هو أفضل من عثمان في نظر ابن تيمية وهما الشيخان تقدما لخطبتها وردهما النبي ولكن لم يرد عليا!!

ولم يفته تعقب حديث: من أغضبها فقد أغضبني..وقال هذا كذب ولم يقله الرسول ص[3]بينما صححه الحاكم على شرط الشيخين وقال الهيثمي وإسناده حسن..[4] 

وأما الإمام الحسين:

الذي سمعت كلامه فيه ونقله المؤلف المحترم فقد قال في منهاج السنة:لم يكن في الخروج لا مصلحة دين ولا دنيا..وكان في خروجه وقتله من الفساد مالم يكن حصل لو قعد في بلده..ويقول هو: نوع من الاجتهاد مقرونا بالظن ونوع من الهوى الخفي فيحصل بسبب ذلك ما لا ينبغي اتباعه فيه وإن كان من أولياء الله المتقين.[5] 

الجواب:

 انه ادرك ما كنا سجلنا في المحاضرات السابقة أن هذه الأحاديث تدلل بشكل لا غموض فيه على خلافتهم وعلى الطعن فيمن عاصرهم!!


 
[1] هذا الكتاب مع سابقه إدرجا في مكتبة أهل البيت عليهما السلام وليت شعري لعل ذلك يوهم بأن ما جاء فيهما صحيح كله فصار هذا سببا لارتكاز البحث عليهما!!
[2] منهاج السنة: 4/ 36.
[3] منهاج السنة: 4/ 248.
[4] مجمع الزوائد:9/ 203.
[5] منهاج السنة:4/ 543.